الجمعة، 17 فبراير 2012

في سبيل الحرية


 

المكان ، غرفة يسودها الظلام , الزمان ، لا اعلم تحديداً السنة والشهر واليوم ، أقبع في مكاني متحسساً الفراغ فلا اجد شيئا يؤنس وحدتي ويملي علي هذا الفراغ سوى ماضي من الذكريات .

سحبتي ، فكرة جديدة من شرودي المستمر ، وهي ان اكتب اسطراً اليك علك تعي ما معنى ان يسجن انسان لمدة 20 عاماً جزاءا ًعلى كلمة كتبها او كلاماً قاله ، في زمان صار فيه تبلد المشاعر ، والكلام المعسول ، سلماً يعلوا بنا نحو مجد باهت .

كيف أعبر لك عن الامي ووحدتي , وقد بدأت انسى الكلام هنا ، فأنا لم أكلم احدا منذ 20 عاما ولا أجد احداً افضي اليه بمكنونات نفسي وما يعتلج بداخلها من الالام وصراعات ، لا اكلم الا نفسي ، أهمس همساً حتى لا يسمعني احد ، ذلك ان القائمون على هذا السجن هنا اتخذوا من صمتي وصمت جميع السجناء قاعدة أساسية يؤسسون بها امبراطوريتهم على صمت المظلومين والمحزونين.

لا نسمع سوى محاضرات يلقيها علينا مدير السجن بين الحين والاخر تتضمن اسوء عبارات التعنيف والالفاظ الفاضحة والاهانات ، وكأننا مخلوقات كتب عليها ان تقضي أسيرة للذل والمهانة. 

لا ارى احداً سوى السجان الذي اعتاد على زيارتي ثلاث مرات في اليوم وهي مواعيد وجبات الطعام ، في الصباح وعند الظهر وفي المساء ، لا يكلمني اطلاقا وقد حاولت ذات مرة ان اتجاذب اطراف الحديث معه ولكن تبين لي انه أصم فأزادات معاناتي أكثر مما هي عليه .

لم أنعم بزيارة احد من المعارف والاصدقاء منذ اليوم الاول لسجني ، ولا اعلم حتى الان لماذا يمتنع الجميع عن زيارتي؟ 

بدا كل شيء يضيق بي ، الزنزانة ، الجدران ، السرير الذي استلقي عليه ، كل شيء ما عدا أملي بأن القاك في يوم ما ، فهذا الشيء الوحيد الذي بقي حيا مع نفسي والذي لم يمت طوال تلك الفترة . 

ولدي العزيز تراك الان كبرت واصبحت رجلاً ناضجاً يعي ، ماهية الحياة ، ومتطلباتها ، وكيفة ان نتعامل معها متجنبين الوقوع في شراكها ، اتمنى ، وانت تقرأ رسالتي ان لا يخالجك الشعور بالخجل لان والدك قابع في سجون لا يعلم مدى بشاعتها الا الله ، عزيزي والدك لم يكن مجرماً ، ولم يصنف في خانة المجرمين والقتله ، انما هم وضعوني قسراً بين هولاء لكي يقمعوا الاصوات المنادية بحرية شعوبها ، والتحرر من سطوة الافراد وتسلطهم وتحكمهم بمصائر الخلق والعباد ، هم يحاولون جاهدين كبح جماح اصواتنا المنادية بالحرية ، ونحن ورغم وطأة الظلم والمعاناة داخل وخارج سجوننا ما نزال ننادي بحريتنا وحرية ابناءنا ، والسبب هو اننا ولدنا احراراً ولا نخضع لقواعد التابع والمتوبع ، فنحن في سبيل الحرية ياولدي نرغب ان نسجن في الدهاليز المظلمة والموحشة على ان نرى شخصا تططأ له الرؤوس يقود ابناءنا حسب ما تمليه عليه اهواءه وكأنهم قطع شطرنج بيد لاعب ماهر. 


راميار فارس الهركي
كاتب وصحافي من العراق
ملاحظة : الموضوع نشر مسبقا في مدونتي (تحية الى الفجر) على ايلاف ، وقد أجريت عليه ما أستطعت من تعديلات قليلة مع حذف الكثير الزوائد الغير مرغوب فيها . 

الجمعة، 17 ديسمبر 2010

العام الجديد




مع رحيل عام وحلول عام أخر لابد لكل منا بوقفة طويلة تأملية ، يراجع من خلالها مواضع الصواب والخطاء في نفسه .

وان يقف موقف الناقد الامين ينقد الافعال والاقوال التي قام بها وقالها مع نفسه ومع الاخرين ويحاول تبيان الاسباب التي ادت الى الاخطاء ولا يكون ناقدا ساخرا يتصيد عيوب الاخرين وينقدها على  الملأ .

ان تكون تلك الوقفة بمثابة بر الامان الذي من خلاله نخطوا خطوات  واثقة نحو الامام  ونصلح مفاسده العام المنصرم بأيامه وأسابيعه وأشهره.

لعل وقفتي التأملية قد لا تختلف كثيرا فهناك من يجلس ساعات ويفكر بما يجب عمله في العام الجديد لتفادي اخطاء العام الماضي وهناك من يقرر ان لا يعطي الموضوع اية اهمية ، على كل حال ، كانت وقفتي مع القلم والورقة.

وقفة قد توثق وتصحح الاخطاء التي من شأنها ان تعقد الصلح مع نفسي ومع الاخرين وكمال يقال الصلح سيد الاحكام .

حيث قمت بكتابة أبرز 5 أخطاء ارتكبتها في العام 2010 بحق نفسي وبحق الاخرين .

كانت وقفتي الاولى مع النقد ، فقد انتقد ت الكثير من الاصدقاء بغير حق ولا اعرف ماهو سبب نقدي لهم أهي الكراهية ام الغيرة ام الحقد أم لمجرد قضاء وقت الفراغ ، لا ادري عموما ، المهم كان نقدي  لهم بغير حق وليس في محلة وهذا خطأ كبير فمن انا حتى أصدر النقد الغير البناء بحق اصدقائي فأذا كان النقص يعتري افعالهم واقوالهم فهذا ليس ذنبهم واذا كانوا يطمحون لشيء ما في الحياة ولم يحصلوا عليه فهذا ليس ذنبهم ايضا ، ثم انهم لم يوجهوا أي نقد لاذع بحقي بل على العكس كانوا يكنون الاحترام والتقدير لي ، فلماذا انا اجزيهم بالنقد الغير بناء وبالكلام الفضيع ... لماذا ياراميار ... لماذا ؟

وبناءا على ماورد اعلاه فقد عقدت العزم ومنذ اللحظة ان لا انتقد اي من اصدقائي بوجه خاص والناس بوجه عام وليس في العام 2011 فقط وانما لبقية العمر ، وان انتقد نفسي قبل ان افكر في انتقاد المقابل وليكن الله في عوني وعون الجميع .

اما الوقفة الثانية فكانت عند خطأ ( الفراغ) الذي وقعت به في العام 2010  فقد مرت ايام وانا فارغ الذهن ، فارغ القلب ، فارغ العزيمة ، مسلوب الارادة ، يملآني اليأس والضجر ، كياني محطم ، عاجز عن فعل او تقديم شيئا لنفسي وللناس سوى التراخي والكسل (المقصود) الذي دفعني بكل قوة الى عالم الفراغ وممارسة المآسي التي يجلبها الفراغ على كل واحد منا.

فعلا كان الفراغ هو السرطان الخبيث الذي التهم جزءا من عزيمتي وارادتي وجعلني كالمشلول الذي لا يقوى على القيام بحركة ما ، وبما انني وقعت في فخ الفراغ الذي نصبته لنفسي فقد قررت في العام الجديد خوض معركة فاصلة وحاسمة ضد الفراغ ، معركة اخوضها بأسلحة فتاكة هي ( الاتكال على الله والصبر والارادة الحديدية والتفكير بعمل شيء مفيد) ، للقضاء عليه بصورة نهائية .   

 
الوقفة الثالثة كانت مع الاستهانة بوجهات نظر الاخرين وتمسكي الغير منطقي بوجة نظري حتى وان كانت على خطأ ، ففي هذا العام تمسكت بوجهة نظري في عدد من المسائل التي تخصني وكان الكثيرين قد نصحوني صادقين بأن وجهة نظري على خطأ ويجب اعادة النظر والتفكير في خطط حياتي وكنت اعلم ان وجهة نظري على خطأ وهم كانوا على صواب .

ونتيجة  لعنادي المستمر ومعارضتي القوية لوجهات نظرهم الصائبة وتمسكي برأيي الغير صائب وقعت في سلسلة من المشاكل والمتاعب وذقت الصعاب تل والصعاب وذلك لا ني لم اخذ بنصيحة الاخرين ولم احترم أرائهم .

لذلك أخذت عهدا على نفسي وامام الله ان اخذ كل رأي يقال لي على محمل الجد ومن ثم دراسته والعمل به اذا كان صحيحا وعلى صواب ، وان اعرض وجهة نظري على الاخرين لتصحيح ما يعتريها من اخطاء .


الوقفة الرابعة  كانت مع  خطأ كبير وخطير لازمني منذ الصغر وهنا اضيفه على قائمة اخطائي للعام 2010  وهدفي من ذكره هنا هو انني قد عقدت العزم على تصحيحه في العام الجديد واقتلاع جذوره من صميم اعماقي والتخلص منه نهائيا .

كنت ومنذ صغري اتشبه بالاخرين ويسبح بي الخيال بعيدا عن سواحل الواقع ، فكنت تارة اجد  نفسي  غني وذو مكانة كبيرة بين الناس وتارة اجد نفسي ممثلا مشهورا وتارة اخرى أجد نفسي في مهنة غير مهنتي وما الى ذلك ، وهذا التشبه كانت له اثار نفسية سلبية القت بظلالها في فترة المراهقة وارهقت نفسي كثيرا مما حدا بي الى مراجعة اكثر من  طبيب نفسي ولكن من دون جدوى .

وقد ايقنت ان العلاج الوحيد لهذه الحالة هي اثبات نفسي والاعتراف بها وبفضلها على حياتي والاخذ بحقيقة واحدة هي ان الله تعالى لم يخلق البشر من مستوى واحد ومن فئة واحدة ومن عقلية واحدة وانما خلقهم تعالى بمستويات تختلف الواحدة منها عن الاخرى وانا واحدة من تلك المستويات التي لاغنى للمجتمع عنها .

وايقنت حقيقة اخرى هي ان الله خلقني انا  بما انا عليه من جسد وروح وعقل ولا يوجد شبيه لي ولا أشبه احدا  على وجه الكرة الارضية.

الوقفة الخامسة والاخيرة هي الغضب فمن الاخطاء الشائعة لدي هي سرعة الغضب والنرفزة من كل شيء ومن اجل لاشيء واحيانا من اتفه والاسباب  أجد نفسي اغضب ويستبد بي الغضب لدرجات جنونية أصل فيها لدرجة انني اصب جام غضبي على اقرب الناس لي واحبهم على قلبي وهذا خطأ جسيم للعام 2010 وكان ثمنه نفور الاهل والاصدقاء مني ومن مجلسي بل ان منهم من قرر ان لا يتكلم معي ، وانا لا ألومه على شيء انما القي بالوم على نفسي لانني انا الذي من تسبب بكل هذا وتسبب بنفور الاخرين مني.

والان وبعد ان كتبت اخطائي لعام 2010 أتقدم بإعتذاري الشديد لنفسي ولجميع اهلي واحبابي واعز اصدقائي وأقول لهم لم يبقى سوى ايام قلائل على نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 وأعاهد الله ونفسي وأعاهدكم بأن لا تتكرر هذه الاخطاء ، كما واطلب العفو والصفح من الله ومن نفسي ومنكم وسبحان من لا يخطأ وليس المهم ان نخطأ ولكن ألاهم ان نستفيد من أخطائنا .

           
راميار فارس الهركي

14/12/2010